معركة شيكان الكبرى: 5 نوفمبر سنة 1883م:

وتعتبر معركة شيكان نقطة تحول أخرى في تاريخ الثورة المهدية، ففي ذلك الوقت كان الخديوي توفيق وحكومته قد عقدوا العزم على سحق المهدي الذي أصبح يسيطر على جميع المدن الرئيسية في إقليم كردفان، وبناءً عليه قامت الحكومة المصرية بتنظيم حملة مكونة من بقايا جيش عرابي بقيادة ضابط بريطاني هو هكس باشا (Hicks)( )، وكان تعداد جيشه ثلاثة عشر ألف مقاتل، فسار من الخرطوم إلى الأبيض عاصمة كردفان، ولكنه لم يقدر قوة خصمه، فقطع مسافة مائتي ميل، حتى بلغ يوم 5 نوفمبر سنة 1883م وادياً مفتوحاً تحيط به من الجانبين غابة كثيفة، وقد أصاب جيشه العطش الشديد، فلم يكد الجيش يدخل هذا الوادي حتى أطبقت عليه جموع الثوار من كل جانب، واخترقوا صفوفه، وأمعنوا في الجنود ذبحاً وقتلاً، فكانت واقعة أشبه بمجزرة بشرية، قتل فيها الجيش برمته، قواده، وضباطه، وجنوده، ومنهم هكس وأركان حربه، ولم ينجُ من القتل سوى ملازمين اثنين، وثلاثمائة جندي، اختبأوا بين الأشجار، وأخذوا أسرى( ).
ارتجت أنحاء السودان لانتصار المهدي في واقعة شيكان، وزادت هيبته في نفوس الأهلين، والحكام، وتداعت سلطة الحكومة المصرية أمام هذه الكارثة، وبادر الحكام الأجانب الذين كانوا يتولون حكم المديريات إلى التسليم للمهدي، ففي ديسمبر سنة 1883م سلم رودلف سلاطين باشا في داره، وكان وقتئذ حاكماً على دارفور، ثم سقطت الفاشر عاصمة المديرية، ودانت دارفور كلها لسلطة المهدي في يناير سنة 1884م، وسلمت مديرية بحر الغزال في أبريل سنة 1884م ( ).
وفي تلك الأثناء طرأ تغيير جوهري على السياسة البريطانية تجاه المسألة السودانية بعد معركة شيكان، فبينما كانت بريطانيا ترى من قبل أن المسألة تخص مصر وحدها، فإنها شعرت بعد معركة شيكان أن مصالحها الإمبراطورية تقتضي انسحاب مصر من السودان فوراً، ومن ثم أمرت الحكومة المصرية بالتخلي عن السودان وأوفدت الجنرال تشارلز غوردون كي يشرف على تنفيذ ذلك ( ).